فخر الدين الرازي
141
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : قوله : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ يدل على أن الجهاد واجب ، ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف ، فهذا حث شديد على القتال ، وبيان العلة التي لها صار القتال واجبا ، وهو ما في القتال من / تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة ، لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير . المسألة الثانية : قالت المعتزلة قوله : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ انكار عليهم في ترك القتال وبيان أنه لا عذر لهم البتة في تركه ، ولو كان فعل العبد بخلق اللَّه لبطل هذا الكلام لأن من أعظم العذر أن اللَّه ما خلقه وما أراده وما قضى به ، وجوابه مذكور . المسألة الثالثة : اتفقوا على أن قوله : وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ متصل بما قبله ، وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون عطفا على السبيل ، والمعنى : مالكم لا تقاتلون في سبيل اللَّه وفي المستضعفين . والثاني : أن يكون معطوفا على اسم اللَّه عز وجل ، أي في سبيل اللَّه وفي سبيل المستضعفين . المسألة الرابعة : المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة ، وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا . قال ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان . المسألة الخامسة : الولدان : جمع الولد ، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان ، نحو حزب وحزبان ، وورك ووركان ، كذلك ولد وولدان . قال صاحب « الكشاف » : ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر ، وبالولدان العبيد والإماء ، لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة ، وجمعهما الولدان والولائد ، إلا أنه جعل هاهنا الولدان جمعا للذكور والإناث تغليبا للذكور على الإناث ، كما يقال آباء وإخوة واللَّه أعلم . المسألة السادسة : إنما ذكر اللَّه الولدان مبالغة في شرح ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ، ومبغضة لهم بمكانهم ، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة اللَّه بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا ، كما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء ، ثم حكى تعالى عن هؤلاء المستضعفين أنهم كانوا يقولون : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً وفيه مسائل : المسألة الأولى : أجمعوا على أن المراد من هذه القرية الظالم أهلها مكة ، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : القرية مؤنثة ، وقوله : الظَّالِمِ أَهْلُها صفة للقرية ولذلك خفض ، فكان ينبغي أن يقال : الظالمة أهلها ، وجوابه أن النحويين يسمون مثل هذه الصفة الصفة المشبهة باسم الفاعل ، والأصل في هذا الباب : أنك إذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه ، نحو قولك : مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب ، ومررت برجل جميل الجارية ، وإذا لم تدخل الألف واللام في الأخير حملته على الثاني في تذكيره وتأنيثه كقولك : مررت بامرأة كريم أبوها ، ومن هذا قوله تعالى :